الأحد، 14 أغسطس 2022

تمديد الهدنة بضغوط خارجية


دائماً وأبداً يترتب على الهدن أثناء الحروب تحسن في الوضع الإنساني والاقتصادي والمعيشي للمواطنين الواقعين في دائرة تلك الحروب بصورة أو بأخرى، ودائماٌ ما تستغل تلك الهدن لتنشيط وتفعيل العمل الإنساني والإغاثي ، كون الحروب تعوق وتعرقل هكذا أعمالا وهكذا نشاطات، ودائماٌ ما يتفاءل الناس بالهدن لما يترتب عليها من نتائج إيجابية تلامس حياتهم المعيشية والاقتصادية ، وشعوب العالم وهي تسمع عن تمديد الهدنة في اليمن، تظن أن كل ما سبق ذكره يتحقق كنتيجة طبيعية للهدنة ووقف الحرب، وتظن بأن أوضاع وظروف المواطن اليمني تتجه نحو الايجابية أثناء فترات الهدن المتتالية، وهذا هو المفترض أن يكون واقعا وحالا وعقلا ومنطقا.
لكن للأسف الشديد ما يحدث في اليمن سابقة غير مألوفة وغير اعتيادية، ما يحدث في اليمن ليس كما يجب أن يكون، بل العكس تماماٌ، ما يحدث في اليمن أمور تدعو للحيرة والتعجب، كيف لا وفي فترات الهدن لم يشعر المواطن اليمني بأي تحسن يذكر في كل مجالات الحياة، بل إن الأمر لم يتوقف عند ذلك فقد زاد الوضع سوءا في كثير من الجوانب، فأسعار المواد الضرورية ارتفعت بشكل كبير عما كانت عليه خلال فترة الحرب، المساعدات الغذائية والإنسانية والإغاثية التي كانت تقدمها المنظمات الأممية والدولية توقفت تماما، بعكس الحال أثناء فترة الحرب، مرتبات الموظفين موقفة ولا جديد في هذا الأمر سوى الوعود والاستغلال السياسي لهذا الموضوع، الطرقات مغلقة أمام المواطنين ومعاناتهم في التنقل مستمرة دون أي تحسن يذكر.
ولن أبالغ إذا قلت بأن الغالبية من المواطنين اليمنيين يشعرون باليأس والإحباط بشأن تمديد الهدنة، وذلك لأنهم لم يشعروا بأي تحسن خلالها، بل إن الأوضاع ذهبت نحو الأسوأ، بعد أن وصلوا لقناعة كاملة بفشل كل الحوارات والمساعي السلمية، وبعد أن شاهدوا العجز المتكرر والمستمر لمندوبي الأمم المتحدة عن تحقيق أي خطوة ملموسة في هذا الاتجاه، ووصلوا لقناعة أملتها عليهم الأحداث والوقائع بأن الحسم العسكري هو المخرج الوحيد لحالهم وواقعهم، بعد أن تأكدوا بأن أي حديث عن السلام ليس أكثر من استهلاك إعلامي، وبعد أن أيقنوا بأن السلام ليس ضمن أجندات الأطراف المتصارعة. وهذا أمر طبيعي في ظل تعنت وتمسك تلك الأطراف بمواقفها المتصلبة والمتشددة ورفضها تقديم أبسط التنازلات.
واقع الحال في اليمن واقع مأساوي وكارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واقع الحال مغاير تماماٌ لكل تلك الأكاديب والتسويقات الإعلامية الزائفة والعبارات المطاطة التي ينقلها مندوبو الأمم المتحدة في تقاريرهم الشهرية إلى مجلس الأمن، واقع الحال في اليمن وخصوصا في الجانب الإنساني والحقوقي ينذر بكارثة إنسانية وشيكة، بعد أن ارتفعت وتيرة معاناة ومآسي المواطنين اليمنيين لمستويات قياسية تدق ناقوس الخطر، وذلك بسبب الحسابات السياسية الضيقة على كل المستويات، تلك الحسابات السلبية التي كان وما يزال المواطن اليمني هو ضحيتها ومن يدفع ثمنها ألماً وحزناً وجوعاً وفقراً ومعاناة. تلك الحسابات السياسية الإقليمية والدولية السلبية التي تمنح الأطراف المتصارعة الوقت والمال والقوة والفرصة لإطالة أمد الحرب، دون أي اعتبار للوضع الكارثي والمأساوي الذي يعيشه شعب بأكمله. لتتجلى بذلك قذارة السياسة وسوء القائمين عليها.
 
وكم هو سيئ الحظ ذلك الشعب الذي يسوقه حظه العاثر للوقوع في دائرة لعبة سياسية إقليميه ودولية، تكون الأولوية فيها لتحقيق مصالح اللاعبين الخارجيين، دون أي اعتبار لواقع وحال ومعاناة الشعب المنكوب. وهذا هو وضع الشعب اليمني، فاللعبة كبيرة واللاعبون فيها كبار، وكل لاعب يسعى لتحقيق المزيد من المكاسب. وهكذا وضع يتطلب المزيد من الوقت؛ وهو ما يتطلب إطاله أمد الحرب اليمنية ويتطلب فرض المزيد من الهدن لترتيب الأوراق والأدوات. وتلك الأدوات للأسف هي الأطراف اليمنية الضالعة في الحرب، والتي تحولت لمجرد أدوات تحركها القوى الخارجية حسب مصالحها هي، حتى وإن تعارضت تلك المصالح مع مصالح الشعب اليمني وحتى مع مصالح تلك الأطراف نفسها. والدليل على ذلك أن الهدنة الأخيرة فرضت فرضاً على جميع الأطراف اليمنية بإملاءات وضغوط خارجية يعرفها الجميع (العصا الأمريكية الغليظة).



الخبر السابق الشرعية السياسية والمصالح الحزبية
الخبر التالي لماذا كل من تعاديه أمريكا يصبح دكتاتورا

مقالات ذات صلة