الأحد، 02 أكتوبر 2022

الخلط بين القوة والعنف في الفكر الإسلامي


عندما نتأمل التاريخ الإسلامي في العصر الحديث تبدو لنا فيه دورات طويلة من العنف تقابلها دورات قصيرة ومترددة من الإصلاح. وكان من أهم مساوئ السرديات النمطية السائدة أنها ساهمت في خلق اتجاهات متطرفة لا تُميَّز بين القوة والعنف، فتظل تمارس العنف وهي تتمثلُ القوة.

هذه هي، بتبسيط شديد، خلاصة دراسة عميقة قام بها الأكاديمي التونسي د. محمد الحدَّاد أستاذ كرسي اليونسكو للدراسات المقارنة للأديان بين 2004 و2016، ونشرها في كتابه المهم (الإسلام والعصر الحديث – نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح).

يُقدم هذا الكتاب إسهاماً مهماً في السعي إلى فهم وتفسير وتحليل ليس فقط الميل إلى العنف في التاريخ الإسلامي الحديث، وصولاً إلى تأطيره عن طريق منظمات إسلامية سياسية ومسلحة، ولكن أيضاً الولع بهذا العنف في أوساط قطاعات أوسع من المسلمين غير المنضمين إلى هذه المنظمات. ويجد قارئ هذا الكتاب فيه منهجاً جديداً طوَّره د. الحداد، ويمكن أن يؤدي التوسع في تطبيقه إلى فتح أفق جديد لفهم وتفسير ميل غير قليل من المسلمين إلى تفضيل الحرب على السلام، والسير في ركاب الداعين إلى المواجهات المسلحة عوضاً عن الحوارات السلمية، وبين هؤلاء من يُمجدَّون المتاجرين بشعاراتٍ تدور حول القتال والمقاومة العنيفة من دون توافر مقوماتها الواقعية، وبغض النظر عن فائدتها أو ضررها بالنسبة إلى القضايا التي تُرفع تلك الشعارات بشأنها، وصولاً إلى التورط أحياناً في دعم إرهاب سافر كما حدث في محاولات تبرير اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة بدعوى أنها رد على انتهاكات أميركية في حق العرب والمسلمين، أي بطريقة الخلط بين الحق والباطل.

فقد تمكن مؤلف الكتاب من بلورة منهج جديد يقوم على الحفر في الطبقات التأويلية التي تراكمت حول تاريخ الإسلام في العصر الحديث ونظامه الحضاري، وعلاقته بالمحيط الذي تعامل معه، والتشريح النقدي للسرديات المتعلقة به في فترة زمنية تمتد من القرن السادس عشر، أي منذ مطالع العصر الحديث في عالمنا.

ويُعنى الكتاب، كما هو واضح، بالإسلام بالمعنى الحضاري العام الذي يدرج الدين في سياق التطورات الاجتماعية والثقافية، وليس بالمعنى الديني. والكتاب ليس سرداً تاريخياً بأي حال، بل حفراً وتنقيباً في تاريخ القرون الستة الأخيرة، ونفاذاً إلى أعماقه، من أجل محاولة كشف المعضلات التي كبلَّت العالم الإسلامي، كما يشرح كيف بقيت تلك المعضلات حائلاً دون أن يصبح العالم الإسلامي فاعلاً في حضارة العصر الراهن، باستثناء عدد قليل من بلدانه التي تعمل لحل تلك المعضلات، وحقق بعضها تقدماً ملموساً في الفترة الأخيرة، ونجح في امتلاك وسائل القوة الحقيقية التي فقدها المسلمون نتيجة الخلط بين القوة والعنف، وفي مقدمتها العلم والتكنولوجيا والإبداع والإدارة الناجعة والتعليم الحديث، بالتوازي مع قيم البناء والتنمية والاستدامة والتسامح.

*مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

الاتحاد



الخبر السابق كلمة حق ووفاء
الخبر التالي 26 سبتمبر 1962 ستبقى هي الثورة التي لا تهزم ولا تنكسر

مقالات ذات صلة