الجمعة، 03 يوليو 2020

رمضان الذي كان


فجأة على صفيح من حرب قيل لي : رمضان مبارك ، أنا الذي لا علم لي بالذي حدث وجرجر رمضان بهذه السرعة ، لا زلت أحفظه الذي ذهب قبل سنة وكل أيامه ، أين فطرت ، ماذا فطرت ، كيف قضيت أيامي بمدينة تعز وحدي ، بعيدا عن العائلة التي تبعد عني مسافة دقائق فقط لولا الحصار الحوثي ، أتذكر بحواسي كلها ليلة رمضان المنصرم .
 
غادر الجميع ، حملوا أرواحهم إلى البلاد. قلت أثناء مغادرتهم وتركهم لي وحدي بتعز : هذا رمضان الأخير الذي سأبقى فيه وحدي ، فأمامنا سنة كاملة ، سنة تكفي لهزيمة الكهف ، كنت على ثقة بذلك ، ثقة رمضان الأخير ، لكن هاهي تباعدت المسافات أكثر وأمست مدينة تعز حتى محرمة علي ، على عكس رمضان الأول ، أي كنت أسلم من الآن وتفاقمت الهزائم ، فكل سنة ألعن من سابقتها ، كل هزيمة أكبر ، وأشد .
 
عاد مرة ثالثة وأنا في البعيد ، كشف رمضان لي ولكل يمني شارد الهزيمة الحقيقية أمام سلطة الكهف ، يومياتي هذه تكفي لإشعال ألف ثورة ، لقد أخذونا من أنفسنا ، أخذتنا الكهوف ، سلبني من أمي ، عليه اللعنة من كهف طاغ ومستبد ، لقد شرط علينا العيش في منازلنا بذل ، ولنبقى بهوان مع عائلاتنا ، لنمارس كالأصنام يومياتنا ، لقد قال ذلك ، الزنازين قالت ، والكرابيج التي سلخت الأحرار صرخت بشدة .
 
أنا في الساحل الغربي ، لا أكذب وللحقيقة بكيت ، بكيت من اشتياقي لأمي ، وأختاي ، وأخواي ، وقرباي ، بلا شك يبكي المرء كلما تذكر الأحبة ، لي منهم سنوات ثلاث ، ثلاث مرات يمر رمضان دونهم ، لكن للبكاء طعم القضية الأسمى ، حربنا الجمهورية ، كلما بكيت صلب قلبي واشتد عود ظهري ، بكاء الحنين لحياة خلت ، لا بكاء المفارق لبلدة مكبلة بالمليشيات ، أنا أبكي على مرحلة عشناها دون المليشيات ، أما العودة طالما هم بقاء فلن تكون .
 
فضلت عدم مهاتفة أمي ، لست رجلا يفشل في العودة إليها ، سأعود محملا على رأسي زهو الانتصار ، نعود والوطن معنا أو لنمت ، نحن عيال الأمهات اللواتي يجسدن الأوطان ، على أبهى صورة ويقلمن بسنواتهن الغياب ، نحن الغياب الذي أحرق حيواتهن ولكن في السبيل المكرم ، فدافعوا عن الشهر .
 
نحارب الحوثي لنسترد رمضان ، رمضانات الزمن الجميل ، سلب الكهف حتى الشهر الفضيل ، فالأرواح تتسامى فيه وهو يزداد دموية ، الطرقات تنفتح فيه وهو يحاصر المدن ، الشياطين تتصفد وشيطان الكهف لا ، دافعوا عن رمضان ، وصوت محمد حسين عامر ، وعن مدفع الفطور ، ورائحة السحور ، استردوا مائدة العائلة ، والتمرات الحاليات ، عن الصيام الأمثل. 
 
معركتنا الأقدس ، أن نسترد أجفان بيوتنا ، ونظرات الأمهات ، وأعين الكريمات المشتاقات للإخوة الشاردين في طرف الجغرافيا ، لنسترد الجيران ، وحكاوي العجائز والمساجد المسكونة بالملائكة فقط ، فقط بالحب ، الحياة ، وبالأعياد المزركشة بالسلام ، التصافح الشهي بين الناس ، كل الناس إخوة .
 
بلحظتي هذه وجدت أن الكهف لم يسلب الجمهورية فقط ، ولم يسلب الدولة ، ولم ينهب فقط ، ويسرق ، بل سلب حق أرواحنا في البقاء قيد الروحانية ، سلب طريقتنا التقليدية في ممارسة الطقس الأكبر ، كان رمضان لقاء القربى والعيد ، الكهف سلب لهفة الأمهات لأولادهن ، وسلب أحقية الزوج بوجبة إفطار مع أولاده وزوجته ، هل رمضان هذا مثل سوابقه ؟ لا لا لا


الخبر السابق القبيلة شعب الجمهورية: معركة تائهة عن سلاحها!
الخبر التالي المآل السلالي المتكرر: تنازع العمامة وانفراط القبضة

مقالات ذات صلة