الإثنين، 08 مارس 2021

إلى الشعب العربي


د.عبدالعزيز المقالح

في حديث سابق على هذه الزاوية بعثت نيابة عن أبي الطيب المتنبي رسالة إلى القادة العرب تتضمن واحدة من أهم ما ترك لنا ذلك الشاعر العظيم ولكل الأجيال من حكم ومقولات خالدة. وأنا هنا أبعث نيابة عنه أيضاً برسالة ثانية وهي هذه المرة مرسلة إلى الشعب العربي، وقد اخترت لها في بيته الشعري المشهور: «من يهن يسهل الهوان عليهِ، ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ».

ولهذا البيت الحكيم قراءتان إحداهما ظاهرة ومباشرة، والأخرى عميقة وخفية الدلالة إلى حد ما. وسنقف أولاً عند القراءة المباشرة التي تقدم نفسها للقارئ دون أن تعتورها أدنى صعوبة. فالإنسان الذي يتقبل الهوان في نفسه وفي وطنه يصبح الهوان بالنسبة له سهلاً؛ لأنه قد أصبح فاقد الحياة والحيوية وصار بمثابة الميت الذي افتقد الشعور والإحساس بالألم، وشعب لا يشعر بعدوان العدو ولا يحس بالأخطار التي تتجمع حوله هو شعب حكم على نفسه بالموت وإن كان لا يزال يتحرك ويأكل ويشرب.

والمتنبي وهو شاعر حكيم لا يقصد من وراء رسالته هذه أن يعترف بأن الشعب العربي قد صار في عداد الشعوب المحكومة بالموت، وإنما يريد بهذه الرسالة تنبيهه واستفزاز الخلايا النائمة والقريبة من أن يدركها العطب؛ لكي تستيقظ وتستعيد حيويتها وتعي خطورة ما يتعرض له الجسد من مؤامرات داخلية وخارجية، وما قد يؤدي إليه الإهمال من نسيان تلك المؤامرات والاستخفاف بنتائجها.

وهنا تبدأ القراءة الثانية والعميقة والتي هدف أبو الطيب إلى إيصالها الآن، والتي قد تكون تأخرت لكن الوقت لا يزال قابلاً لاستيعابها والوقوف عند مدلولاتها. وإذا كان الأعداء قد اقتحموا بعض القلاع القاصية، وتقدموا إلى بعض الحدود الأمامية فإن الجسد العربي في مجموع تكويناته الجغرافية والنفسية لا يزال صلباً معافى، ربما صار يشكو من بعض الرضوض والأوجاع لكنها لا تدعو إلى القلق ولا تبعث على الخوف.

الرسالة في القراءة الثانية تبدو واضحة المعنى والدلالة، وهي في مجملها دعوة إلى التضامن الحقيقي وتجاوز الآثار السلبية والشروع في قراءة المقاصد الهادفة إلى تدمير الوشائج القومية، والتي ترعاها وتضاعف من وتائرها قوى طامعة قريبة وبعيدة. ولا ننسى ونحن نقرأ أبعاد تلك المقاصد أن ندرك أن القوى البعيدة والقريبة تنطلق من مواقف قومية متعصبة، وهدفها يتجلّى في مد نفوذها والسيطرة على القرار العربي والتشكيك في قدرة أبناء الأمة العربية الواحدة على بناء قوتهم الذاتية الرامية إلى الدفاع عن كيان هذه الأمة وحماية قلبها وأطرافها، ولا تدفعها مواقف الآخرين الباحثين عن النفوذ إلى البحث عن نصيب لها أو نفوذ في أراضي الآخرين.

والسؤال هو: هل وصلت الرسالة وأدت المراد منها؟ والإجابة أتمنى كما كان يتمنى المتنبي في عالم الأمس، أن تكون الرسالة قد وصلت وأدت دورها تماماً، وأنها جاءت في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان.

وهنا لا أنسى الإشارة إلى أن بعض قُرّاء بيت أبي الطيب موضوع هذا الحديث لا يرون فيه أبعاد القراءة الثانية، بل يجدونه تقريراً لحالة ثابتة، ترسم حالة الشعوب التي افتقدت كل قدرة لها على استعادة توازنها والخروج من دوائر الهوان الذي يبدأ بالضعف والرضوخ، ويتمادى إلى أن يغدو هواناً مستساغاً وجرحاً في جسد ميّت لا يشعر بأثر للإهانة والآلام.

عن الخليج

 

 

 



الخبر السابق وعود "كاهن مران وأداة إيران" لأهل مأرب
الخبر التالي مأرب التاريخ والإنسان اللذين يجهلهما الحوثي

مقالات ذات صلة