السبت، 01 أكتوبر 2022

الشرعية السياسية والمصالح الحزبية


تتوقف قوة أي نظام سياسي على قوة شرعيته، فكلما كانت تلك الشرعية قوية ومتماسكة وتقف على أرض صلبة كان ذلك النظام السياسي قوياً ومتماسكاً، والعكس صحيح. والشرعية السياسية تمثل المصلحة المشتركة العليا لكل الأحزاب والقوى السياسية ، وتراعي مصالح الجميع بدون استثناء. ومن السهل التغني بها، لكن من الصعب الالتزام بقراراتها وتنفيذ سياساتها في كل الظروف والأحوال. 
وللأسف، هناك أحزاب وقوى سياسية تنظر إلى الشرعية من منظار المصلحة والفائدة والمكاسب، فدعمها للشرعية واعترافها بها والعمل في نطاقها يتوقف على حجم مصالحها منها، وكمية المناصب المسيطرة عليها، وحجم المغانم العائدة منها، واستحواذها على السلطة فيها واقصاء الآخر منها. وهي بذلك تنظر إلى الشرعية من منظار ضيق بما يتناسب مع سياساتها وبما يلبي تحقيق أهدافها وغاياتها الحزبية. وهي بذلك تعمل على اختزال الشرعية الوطنية في نطاق حزبي ضيق، وتعمل على تكييفها حسب أهوائها ومصالحها.
فعندما يكون الحزب هو المهيمن والمسيطر على قرارها، والمستفرد بالسلطة فيها، فإنه يتغنى بها صباحا ومساء ويهتف باسمها ليلاً ونهارا، ويقف بكل قوة ضد أي محاولات لتصحيح مسار الشرعية المختل لصالحه. كيف لا وقد أصبحت الشرعية بالنسبة لقياداته وعناصره غنيمةً وفيداً، ما يجعله يتمسك بها أكثر وأكثر غير مكترث بالحالة السلبية التي وصلت لها تلك الشرعية على مختلف الأصعدة، بسبب سياساته الحزبية الفاشلة، وبسبب سوء إدارته لها، نتيجة تقديم مصالحه الحزبية على المصالح العليا للوطن، ونتيجة استفراده بالسلطة على حساب الشراكة الوطنية، وتحت الضغط الداخلي والدولي قد يقبل على مضض بالشراكة مع بقية الاحزاب الوطنية كتكتيك اقتضه الضرورة والظروف. وبمجرد أن تبدأ السلطة الشرعية القائمة على الشراكة والتوافق، العمل على إشراك بقية القوى الوطنية في السلطة وإزحة بعض قياداته الحزبية المتحكمة في كل مناصب ومفاصل الدولة بهدف إحداث حالة من التوازن بين جميع القوى الوطنية، تكشر قيادات ذلك الحزب عن أنيابها وتبدأ في مهاجمة قيادات الشرعية بالانتقادات السلبية والعدائية واتهامها بممارسة الإقصاء ضد عناصره، وصولاً إلى الإيعاز لكوادره القيادية التي يطالها التغيير بعدم تنفيذ قرارات الشرعية، والدفع بها للتمرد على تلك القرارات، وصولاً إلى إعلان الحرب على الشرعية؛ وهو ما يؤكد بأن علاقة هذا الحزب بالشرعية هي علاقة مصلحية ونفعية. 
كما أن ذلك يؤكد بأن منهجه السياسي يقوم على الاستبداد السياسي والاستفراد بالسلطة وإقصاء الآخر، وحديثه عن الديمقراطية والمدنية والشراكة ليس أكثر من استهلاك إعلامي وتضليل جماهيري، بعكس حاله عندما كان هو المسيطر على الشرعية، وعندما كان ينتقد الأحزاب الأخرى التي كانت ترفض سياسات الإقصاء التي كان يمارسها ضدها، وكان يعتبر موقفها ذلك تمرداً على الشرعية، وكان يتهمها بالخيانة والتآمر والتمرد. 
وهذه المواقف تكشف بجلاء وزدواجية المعايير والمواقف عند قيادات هكذا أحزاب، فهي تكشف أن ارتباطها بالشرعية الدستورية وبالوطن ليس أكثر من ارتباط مصالح، وليس ارتباط ولاء ومصير مشترك، فولاؤها للوطن يتوقف على حجم المصالح والمكاسب والمناصب والفوائد التي تجنيها منه، وليس لديها أي استعداد لتقديم بعض التنازلات أو التخلى عن بعض المناصب من أجل الوطن، وهذا النوع من الأحزاب بنظر للوطن على أنه شركة استثمارية يجب أن تكون ملكا خاص له، ويجب استغلالها واستثمارها لصالحه دون غيره. وهنا تتجلى حقيقة هكذا أحزاب تجعل من الوطن والوطنية والشعارات طريقاً للانقلاب على النظام والاستيلاء على المناصب وجمع الأموال والثروات.
من حق كل حزب أن يدافع عن مصالحه، لكن في حدود معينة لا تتجاوز المصالح العليا للوطن، ولا تكون على حساب بقية الشركاء في الوطن، فالوطن للجميع وليس لهذا الحزب أو ذاك. وكم هو عجيب وغريب عندما ترى هكذا أحزابا وهي ترفع شعارات محاربة الفساد وإقصاء الآخر، وبمجرد استيلائها على السلطة تشاهدها وهي غارقة في الفساد وتمارس سياسة الإقصاء للآخر بشكل هستيري؛ وهو ما يكشف نواياها الحقيقية على مرأى ومسمع الجميع. وكل حزب يضع نفسه حيث يشاء.



الخبر السابق كلمة حق ووفاء
الخبر التالي 26 سبتمبر 1962 ستبقى هي الثورة التي لا تهزم ولا تنكسر

مقالات ذات صلة