الشرق الخاضع للهيمنة

11:11 2019/11/29

بشير عثمان
 
 
 
أنهيت اليوم قراءة عمل ادوارد سعيد (الاستشراق) وللمرة الثانية.
 
قبل عشرين عاماً وأنا استعير الكتب من "دار الكتب" في صنعاء، وبينما كنت خارجاً من قاعة الاستعارة قابلت الاستاذ المثقف اليساري "حسن القاضي"، وكان حينها وكيلاً للهيئة العامة للكتاب، والتي تقع تحت مسؤوليتها أيضاً دور الكتب.
 
ابتسم لي وقال: ماذا استعرت اليوم؟
 
اخبرته اني اخذت كتاب الاستشراق لادوار سعيد (كان صديقاً لوالدي). ابتسم ابتسامة حنونة لا انساها، وقال لي: يا ابني "ادوار سعيد" لن تفهمه في هذه السن.
 
كنت حينها مراهقاً، وللتو انجزت المستوى الثانوي.
 
خصني في تلك اللحظة بمحاضرة طويلة عن منهجية قراءة الكتب التي يفترض ان أقرأها كقارئ مبتدئ، شرح لي انواع الكتب، وما بين امهات الكتب، وكتب العلوم وشروحاتها فروق شاسعة.
 
أخذني بالفعل لأبجديات القراءة، وبأسلوب المثقف الكبير والذي يدرك ما يقوله.
 
كنت حينها مراهقا ساذجاً، وكأي مراهق احاول اثبات وجودي وذاتي، اعتبرت محاضرته رحلة فشل الجيل الماضي وخساراته (كيسار)، وزادني الامر اصراراً على قراءة الكتاب وفهمه.
 
وفي الحقيقة اعترف الآن اني لم اخرج بنتيجة او فهم يذكر.. ولقد كان استاذي "حسن" محقاً.
 
بعد عشرين عاماً اعدت قراءة الكتاب مجدداً، لقد وصلت إلى نضج فكري يمكنني ان افهم مفكرا عملاقا مثل ادوار سعيد، او ادعي ذلك.
 
بتركيز شديد وأسلوب خالٍ من الزخارف والتكرار والنفاق الحضاري ينحاز المفكر الكبير ادوار سعيد للشرق، ويرفض هيمنة الثقافة الغربية التي تفسر الشرق كتابع للغرب.
 
عرض ادوار سعيد منطقه ومحاججاته الفكرية الكبرى واستخدم منهجيته الخاصة من اجل غرب اقل هيمنة واقل تسلطاً واستخفافاً بالشرق.. ادان المفاهيم الغربية ونشرها على السطح.
 
لم يدخر لنفسه جهداً واعتبر ان ملاءمة الغرب الفكرية المنتقصة لثقافة الشرق وحضارته اخطاء ومغالطات متعمدة ولا سبيل إلى معالجتها بدون ان يعيد الشرق الاعتبار لنفسه.
 
انتقد سلامة موقف المثقف الغربي، وحاك مرافعة فكرية رصينة لا يمكن اختراقها، عمل لتقديمنا كأحد صناع الحضارة الانسانية الذين جرى هضمهم واعتساف دورهم قسراً.
 
جهد فكري نظري جبار تلمس ما نحتاج له كشرق عربي تحديداً.
 
كتب ادوارد سعيد: "المعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة تتطلب زياد المعرفة".
 
معرفة الغرب السباقة مكنته من تسيد العالم، المعرفة العلمية التي تحدث عنها ادوار سعيد لعصر المعرفة وما بعده مكنته من تسيد العالم، وفي المقابل عدم اعتراف العالم الشرقي، وتحديداً العربي بالمعرفة العلمية الحديثة قاده إلى تخلفه الحضاري المريع.
 
كتب ادوار سعيد كتابه في سبعينات القرن الماضي، وثمة احداث حدثت خلال الخمسين عاماً الماضية: الشرق الآسيوي (اليابان، والصين، وكوريا، والهند) انخرطوا في الحضارة الإنسانية الحديثة بشكل فعال، تلقفوا المعرفة العلمية الحديثة وتبنوها على كافة المستويات البنيوية، مستويات فاقت الغرب ذاته، ولم يعودوا يشاركوننا تخلفنا (كعرب).
 
ولهذا السبب نحن -فقط- من ما زلنا ذلك الشرق الخاضع للهيمنة، وهو الشرق العاجز والفاشل، بينما هناك اليوم شرق ناجح يزاحم الغرب وينافسه على كافة الاصعدة.
 
إلا الشرق العربي - الإسلامي المتخلف استبد بهم التخلف والخرافة والرجعية والتقوقع.
 
* من صفحة الكاتب على الفيسبوك



مواضيع ذات صلة