اليمن .. الموت جوعاً في وطن ممزق بالحرب

قبل 11 ساعة و 38 دقيقة

لم يمت حين توقف قلبه عن النبض، بل مات يوم تحولت كرامته إلى عبئ ثقيل، يوم غدت لقمة العيش معركة يخسرها يوماً بعد يوم، مات عندما أُغلقت الأبواب في وجهه، وعندما تلاشى الأمل من عينيه، وعندما بات عاجزاً عن توفير لقمة يسد بها رمق طفله الصغير .. لم يكن سقوطه على قارعة الطريق إلا المشهد الأخير من مأساة طويلة، مأساة كتبها الجوع، ونقشها الفقر، وزيَّنَتها خيانة الوطن والإنسانية .

ففي بلدٍ تمزقه الحروب والصراعات، لم يعد الموت مفاجأة، بل صار الوجه الآخر للحياة .
لكن، أي حياة هذه التي يُترك فيها الإنسان ليموت جائعاً في العراء ؟!
ليس الجوع وحده قاتلاً في اليمن، بل القهر والخذلان واليأس .

في وطنٍ كان يوماً مهداً للحضارة، صار الجوع سلاحاً يحصد الأرواح، وصار الفقراء يموتون بصمتٍ في الأزقة والطرقات، بينما يتنعم أمراء الحرب وسماسرة الموت بثروات هذا البلد الممزق . 
يموت الإنسان اليمني ليس فقط من قسوة الجوع، بل من مرارة العجز، من إذلال الحاجة، ومن خيانة العالم الذي يراه يتهاوى ولا يمدّ له يد العون .

كيف لوطنٍ كان فخر التاريخ أن يصبح مقبرة مفتوحة لأبنائه ؟! كيف لبلاد معين وسبأ وحِمْيَر وأوسان وقتبان وريدان أن تنحني تحت وطأة المجاعة والخذلان ؟!
ما أشد قسوة المشهد.. رجلٌ يسقط جوعاً، وطفله بجواره، عينه معلقة بوالده الذي لن يستيقظ أبداً .
لا يدرك بعد أن الحياة قد سرقت منه السند الوحيد، وأنه بات يتيماً في وطنٍ لا يرحم، في أرضٍ تحولت إلى ثقبٍ أسودٍ يبتلع الفقراء والمستضعفين، بينما ينجو فيها فقط أمراء الحرب وتجار الموت، أولئك الذين يقتاتون على مآسي الأبرياء، ويشيدون ثرواتهم فوق أنقاض الجوعى والمقهورين .
إنها ليست مجرد صورة، إنها شهادة دامغة على زمنٍ تجرّد من إنسانيته، وعلى وطنٍ يُذبح كل يوم بصمتٍ، بينما العالم يشيح بوجهه بعيداً .

عشر سنوات من الحرب حوّلت اليمن من مهدٍ للحضارة إلى ساحةٍ مفتوحة للصراعات، ومسرحٍ لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية . 
بلدٌ مزّقته الأطماع، وتقاسمته القوى المتناحرة، حتى صار أبناؤه وقوداً لحربٍ لا تنتهي، وضحايا لصفقاتٍ تُبرم على موائد السياسة والنخاسة، بينما يموتون في الشوارع بلا مأوى، وبلا لقمة تسد رمقهم .
عشر سنوات، والموت في اليمن لم يعد يأتي فقط من فوهات البنادق، بل من الجوع الذي يحاصر الملايين، من الفقر الذي ينهش الكرامة، من القهر الذي يُطفئ الأرواح قبل الأجساد، ومن الإذلال الذي يجعل الحياة نفسها عبئاً ثقيلاً .
في اليمن، لا أحد يموت برصاصة طائشة فحسب، بل تموت البلاد كلها، قطعةً بعد أخرى، في صفقاتٍ يُبرمها تجار الحروب، ويدفع ثمنها الفقراء وحدهم .

من المسؤول عن هذه الكارثة ؟
من الذي حوّل اليمن من “أرض السعادة” إلى مقبرة جماعية للفقراء، ومن وطنٍ زاخر بالحضارة إلى أطلالٍ تسكنها الأشباح ؟ من الذي سحق حياة الملايين، وجعل الجوع والخذلان قدراً محتوماً ؟
•أمراء الحرب الذين لم تعد تعنيهم معاناة الناس، ولم يعد يهمهم سوى إطالة أمد الصراع، والتربح من الدماء، وبيع الولاءات لمن يدفع أكثر . 
أولئك الذين حوّلوا الحرب إلى استثمار، والمتاجرة بالمآسي إلى صناعة مربحة، بينما يتركون الوطن يتهاوى تحت أنقاض أطماعهم .

• الحكومة المعترف بها دولياً، العاجزة حتى عن تأمين رواتب الموظفين، أو توفير أبسط مقومات الحياة . 
حكومةٌ غارقة في الفساد والانحلال والضعف المُريع، تحكم من منفاها، خارج البلاد من داخل القصور والغرف المغلقة في الفنادق الفاخرة، بينما يتآكل اليمن من الداخل، ويتحول شعبه إلى متسولين في وطنهم .
بهؤلاء التوابع نخاسي الأوطان، فقدت اليمن رجالها وسيادتها وقرارها وثرواتها.   

• المجتمع الدولي الذي أظهر الانتهازية في أبشع صورها، يدّعي دعم اليمن، لكنه لا يرى فيه سوى ورقة ضغط على طاولة المصالح، يتاجر بمآسيه، يندد في المؤتمرات، ويصمت حين تتعارض حقوق الإنسان مع الصفقات والأسلحة والنفط .

في اليمن، لا يموت الناس وحدهم، بل تموت الحقيقة معهم، وتُدفن العدالة تحت ركام الخذلان والتواطؤ.. أما الجلادون، فيواصلون بناء ثرواتهم فوق جثث الأبرياء، بلا خجل، بلا عقاب، وبلا نهاية تُلوح في الأفق .

• انصار الله كما يحبون أن يسمون أنفسهم، استباحوا كل شيء، وصادروا أحلام اليمنيين، وحوّلوا حياتهم إلى كابوسٍ دائم . 
رفعوا شعار “الصمود”، لكنهم جعلوا الفقر والجوع والموت هو الواقع الوحيد . في ظل حكمهم، صار الشعب رهينةً للجوع، والاقتصاد أداةً للنهب، والحياة مجرد معركة للبقاء .فرضوا الضرائب والزكاة واستحدثوا جبايات لا حصر لها، بلا قانون أو منطق، لتثقل كاهل الفقير بدلًا من أن تكون حقًا له. لقد احتكروا المساعدات، وأغرقوا اليمنيين في أزماتٍ لا تنتهي، بينما يواصلون حروبهم العبثية على أنقاض وطنٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة .

في اليمن، لا أحد آمن من هذا الخراب، فحينما تتحول الجماعات الدينية المسلحة إلى حكّام، يصبح الوطن ساحةً للنهب، والشعب وقوداً لمعارك لا تُسمن ولا تُغني من جوع .

•التحالف العربي الذي جاء تحت شعار “دعم الشرعية”، لكنه لم يترك خلفه سوى الدمار والمجاعة، ومزّق البلاد كل ممزق . فبدلًا من إعادة اليمن إلى طريق الاستقرار، أعاده إلى عصور ما قبل الدولة، حيث انتشرت الفوضى، وتلاشت مؤسسات الدولة، وصار الشعب حبيس صراعات لا نهاية لها .

تحت راية “التحرير”، تحوّل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتحت راية “إعادة الأمل”، لم يبقَ سوى الخراب والجوع والموت . 
في الوقت الذي يذعن فيه التحالف العربي للابتزاز ويدعم الخزانة الأمريكية بمئات المليارات، يموت اليمنيون جوعاً وتُقسم بلدهم إلى اشلاء .

• إيران التي حوّلت اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة، تتغذى على معاناة شعبه وتغذّي وكلاءها بالسلاح والمال والخطاب الطائفي، لتبقي النزاع مشتعلاً ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً . لم تكن يوماً حريصة على أمن اليمن ولا استقراره، بل رأت فيه ورقة ضغط في لعبة إقليمية لا تنتهي، فجعلت من معاناة اليمنيين وقوداً لأجنداتها، ومن سيادة البلاد رهينةً لمصالحها العابرة للحدود .

هكذا صار اليمن ضحيةً لصراع القوى الكبرى، حيث يُقتَل الناس لا لذنبٍ ارتكبوه، بل لأنهم وُجدوا في بقعة خطيرة أرادها الجميع ساحةً لحروبهم القذرة .

•المجتمع الدولي الذي يتشدق بالإنسانية، لكنه لم يفعل شيئاً سوى مراقبة اليمن وهو يحتضر .
بيانات التنديد تُلقى في المحافل، بينما تُعقد صفقات السلاح في الغرف المغلقة .
لا شيء يتغير سوى أرقام الضحايا، ولا قرارات تُتخذ إلا بما يخدم مصالح القوى الكبرى .

في اليمن، ماتت الإنسانية قبل أن يموت البشر، وانهارت القيم قبل أن تنهار البيوت، وتحولت المعاناة إلى أرقامٍ في تقارير المنظمات، تُكتب بحبرٍ بارد بينما يُسفك الدمُ ساخناً في الشوارع .
• الموت بالجوع، ليس مجرد نهاية حياة، بل هو وصمة عار على جبين العالم . 
كيف يمكن أن يموت الناس جوعاً في القرن الحادي والعشرين بينما تفيض خزائن المتحاربين بالأموال وتكتظ مخازن السلاح ؟ كيف يعجز أب عن توفير كسرة خبز لطفله، بينما ينعم تجار الحرب والظلام بالثروات على حساب أرواح الأبرياء ؟كيف يتحول وطن بأسره إلى سجن مفتوح، حيث يُقهر الإنسان، ويموت في صمت مرير، ولا صوت يعلو فوق صوت الفقر واليأس ؟  إن هذا ليس مجرد موت، بل هو قتل بطيء للكرامة، واغتيال للقيم الإنسانية التي يفترض أن تحكم هذا العالم .
المشهد في اليمن، اليوم هو وصمة عار على جبين جميع الأطراف المتورطة، وعلى جبين العالم المتحضر الذي اكتفى بالمراقبة والوعود الفارغة .

هذا الرجل الذي مات جائعاً في الشارع ليس مجرد ضحية فقر، بل هو ضحية حرب قذرة، ضحية صفقات سياسية، ضحية عالم منافق يرفع شعارات حقوق الإنسان بينما يواصل بيع السلاح لمن يقتل الإنسان .
إن هذه الصورة ليست مجرد مشهد مأساوي، بل هي شهادة على إنهيار القيم الإنسانية في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى على المصالح بينما يُداس كرامة الإنسان البسيط في اليمن وفي غيره من البقاع المنسية .
هذا الرجل الذي مات على قارعة الطريق، كان طوال الشهر الكريم يواجه مصيره في صمت، بين المارة الذين لم يلقوا له بالاً، وبين مجتمع غارق في انشغالاته .

لم يتحرك الضمير الجمعي إلا بعد أن أصبح “ ترنداً ” على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن تحول موته إلى مجرد مادة للإثارة والتفاعل، بينما كانت حياته تُختطف يوماً بعد يوم دون أن تلتفت إليه العيون .
أين كانت الإنسانية عندما كان يصارع وحده في الظلام ؟ أين كانت تلك القلوب التي تدعي الرحمة، وعقولنا التي تُفترض أن تكون واعية لما يحدث حولها ؟ في لحظات تتسارع فيها الأحداث، نكتشف أننا أصبحنا في عالمٍ يفضل الردود السريعة على منصات التواصل الاجتماعي أكثر من الإحساس بالآخر، والتفاعل الحقيقي مع قضاياه .

كم من أمثال هذا الرجل يموتون يومياً بعيداً عن عدسات الكاميرات ؟.. كم من الأرواح التي تنطفئ في صمتٍ، بعيداً عن الأضواء، بعيداً عن الإعلام، في مكان لا يكترث له أحد سوى الله ؟ .. كم من الأطفال الذين ينامون بأمعاء خاوية، لا يجدون من يُلملم جراحهم سوى الألم، بينما عيونهم تترقب شيئاً من العطف في عالمٍ تاهت فيه معاني الإنسانية ؟.. كم من عائلة يمنية تتحسر على زمنٍ كان فيه الجوع قاتلاً غير مُعلن، إذ لم يكن الفقر بهذه الفجاجة، ولا هذا القهر المروع الذي يختطف الناس من جذورهم ؟ في هذا العصر الذي يُفترض أن يكون عصر التطور والرفاهية، يبدو أن الجوع صار شرساً، يفتك بالجسد والعقل، يقتلع آمال الناس ويتركهم حطاماً في أرضٍ محكومة بقبضة الحروب وأوجاع المعاناة .

٠ اليمن، اليوم لم يعد وطناً، بل أصبح مقبرة بطيئة، حيث تتساقط فيها الأرواح يوماً بعد يوم، دون أن يسمع صراخها سوى جدران الزمان الصامتة . 
هنا، يُدفن البشر تحت أنقاض الحروب، والآمال المكسورة، ويظل الموت حليفهم في شوارع مدن كانت يوماً منارةً للأمل .
وفي زوايا هذا الوطن الذي يتداعى، يتنعم تجار الحرب في صفقاتهم التي لا تنتهي، يغتنون على أنقاض المعاناة، بينما تواصل عجلة الفقر والتشرد الدوران بلا رحمة . 
لم يعد اليمن فقط موطناً للأحلام، بل أصبح شاهداً على أكبر جريمة إنسانية، حيث الحياة تُقتل ببطئ، والموت يختطف الأبرياء دون أن تجد صدى في عقول أولئك الذين يمسكون بزمام الأمور .

هل هناك أمل؟..
ربما، لكن الأمل لا ينبع من خطب السياسيين التي تملأ الهواء الكاذب ولا من جداول الأعمال التي تلوح بها الأمم المتحدة في قاعاتها المغلقة . 
الأمل ليس في بيانات التهدئة التي تباع وتشترى بين الدول الكبرى، ولا في الوعود التي تلتهمها الرياح قبل أن تتحقق .

الأمل الحقيقي يكمن في صحوة الضمائر، في لحظة يتوقف فيها الجميع عن إغماض أعينهم أمام معاناة شعبٍ أعزل . 
الأمل في أن ينقلب قلب العالم ليقف مع اليمن، ليس بالكلمات الفارغة، بل بالفعل، بأن يدرك الجميع أن اليمن لم يعد يحتمل المزيد من الموت؛ لا بالرصاص ولا بالحصار، لا بالقهر ولا بالجوع .
الأمل في أن تُرفع يد الظلم، أن تُوقف آلة الحرب، وأن يُفتح باب من الأمل للأبرياء الذين لا يزالون يقاومون الحياة في ظل هذه الفوضى .. الأمل هو أن تكون هناك إرادة حقيقية لتصحيح المسار، وأن يكون اليمن، في يومٍ ما، مكاناً يتنفس فيه الإنسان بحرية بعيداً عن الموت في كل زاوية .

لكن.. هل من يسمع؟
هل هناك من يلتقط صرخات الجوع التي تخترق الصمت ؟ هل من يسمع أنين الأبرياء في الأحياء المهدمّة، والآلام التي يتجرّعها كل يوم ملايين اليمنيين، حتى أصبح الألم جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية ؟ هل هناك من يتوقف عن ترتيب مصالحه الشخصية في سبيل استعادة حياةٍ كريمة لأناسٍ طالما كانوا في قلب التاريخ؟

الأسئلة تتوالى، لكن الجواب غائب . فبينما يموت اليمنيون بصمت، وتواصل الحروب تمزيق الأرض والإنسان، يبقى الأمل معلقاً في الهواء، غير قابل للتحقق، طالما أن الضمائر ما زالت نائمة، وأن العالم ما زال يقف مكتوف اليدين .

إذاً، هل من يسمع ؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه كل إنسان يحمل في قلبه شيء من الإنسانية .