الأرض العربية .. وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية

05:16 2023/07/23

عبر التاريخ البشري ، كانت وما تزال وستظل ، أرض الضعفاء هي المكان المناسب للأقوياء لتصفية حساباتهم عليها ، واستعراض عضلاتهم وقوتهم فيها ، والضعفاء هم من يدفعون ثمن ذلك كله ، من دمائهم ، وأمنهم ، واستقرارهم ، واقتصادهم ، وتطورهم ، وتقدمهم ، ومقدراتهم ، وٱمكانياتهم ، بينما تكون بلاد الأقوياء ، في مأمن ، وبعيدة عن كل الآخطار ، إلا في حالات المواجهات المباشرة والشاملة ، كالحروب العالمية الأولى والثانية ..!!

ولو نعود بذاكرتنا التاريخية قليلاً إلى ما قبل ظهور الإسلام ، حيث كان العرب يعيشون في مرحلة ضعف وتمزق ، ما جعل من الأرض العربية ، المكان المناسب لتصفية الحسابات ، بين الامبراطورية الرومانية ، والامبراطورية الفارسية ، وأنقسم ولاء القبائل العربية بين الامبراطوريتين ، فالمناذرة في بلاد العراق كان ولاؤهم للفرس ، والغساسنة في بلاد الشام كان ولاؤهم للروم ، وكان الفرس والروم ، يفرضون على القبائل العربية ، تجهيز الجيوش للمشاركة في معاركهم ، فكانت معارك الفرس والروم ، تدار على الأرض العربية ، وبدماء عربية ، وكان دور الفرس والروم ، يقتصر على القيادة والإشراف ..!!

واليوم ها هو التاريخ يعيد نفسه ، فبعد سقوط بغداد بوابة العرب الشرقية ، هاهم العرب يعيشوا في مرحلة ضعف جديدة ، وهذا ما جعل بلادهم المكان المناسب لتصفية الحسابات الدولية ، والأرض الخصبة لتحقيق الأطماع والمصالح الدولية ، وعلى رأسها أمريكا كطرف أول ، وروسيا كطرف ثاني ، وإيران كطرف ثالث ، وتركيا كطرف رابع ، حيث ترتب على ذلك إنقسام ولاء الدول العربية ، بين هذه الأطراف ، فالعديد من حكام الدول العربية ، ولاؤهم لأمريكا ، والبعض ولاؤهم لروسيا ، والبعض لإيران ، والبعض لتركيا ، وكل طرف يسعى إلى توسيع نفوذه في المنطقة العربية ، على حساب الطرف الآخر ، والجيوش العربية والجماعات العربية ، هي من تخوض المعارك فيما بينها ، وينحصر دور أمريكا وروسيا وإيران وتركيا ، في دور القيادة ، وبيع السلاح ، والتوجيه ، والإشراف ، وما يحدث في العراق ، وسوريا ، واليمن ، وليبيا نموذجاً لذلك ..!!

وهكذا أصبحت الأرض العربية ، مجرد ميدان وساحة ، لتصفية الحسابات بين الأقوياء ، ومن يدفع ثمن ذلك هي الشعوب العربية ، فالدماء التي تسفك دماء عربية ، والمدن التي تهدم مدن عربية ، والاقتصاد الذي يضعف هو الاقتصاد العربي ، والامكانيات والمقدرات التي تهدر ، هي مقدرات وٱمكانيات الأمة العربية ، والمأساة الكبرى تكمن في تعصب الشعوب العربية ، ضد بعضها ، وإنقسامها على بعضها ، نتيجة إنجرارها الأعمى خلف التعصبات المذهبية والطائفية والمناطقية والحزبية ..!!

وبالتالي ..... 
إن ما يحصل اليوم من حروب على الأرض العربية ، لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية ، هي دليل على أن العرب يعيشون في مرحلة ضعف ، بسبب تعصباتهم وانقساماتهم المذهبية والطائفية ، وبسبب عمالة وتبعية قياداتهم ، ولن يتوقف هذا المشهد المؤسف والمحزن ، إلا بعودة العرب إلى دينهم الإسلامي الحنيف ، النقي من شوائب المذهبيات والعصبيات ، وباستعادة العرب لإرادتهم وقرارهم السياسي ، من خلال مشروع قومي عربي ، وكل ذلك لن يتحقق إلا  بإرتفاع مستويات الوعي والثقافة ، لدى الشعوب العربية ..!!

لكن طالما والأنظمة السياسية العربية ، والشعوب العربية ، والأحزاب العربية ، والقيادات العربية ، والمثقفين العرب ، والجماعات الدينية العربية ، وقادة الفكر العرب ، منقسمين على أنفسهم ، فالبعض ولاؤه لأمريكا ، والبعض لروسيا ، والبعض لإيران ، والبعض لتركيا ، فلن تقوم لهم قائمة ، وفي اليوم الذي يجتمعوا فيه جميعاً تحت سقف مشروع قومي عربي جامع ، عندها وعندها فقط سوف يستعيد العرب مكانتهم على كل الأصعدة ، وسيكون ذلك بمثابة تدشين مرحلة تاريخية جديدة للأمة العربية ، حافلة بالسيادة والريادة والعطاء والتقدم والحضارة ..!!