عيدا عن الرقابة: من بقالات إلى صيدليات والضحية المواطن
صعوبة الحصول على الرعاية الصحيه والدواء باتت أمرا محتوما على المواطن اليمني في المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي (شمال اليمن). ففي صنعاء مثلا، حيث لا يملك الناس قيمة التشخيص الطبي والدواء جراء تردي الوضع المعيشي وانقطاع مرتباتهم، نجدهم يختارون أسهل الطرق للعلاج وأرخصها ثمنا، إذ يجدون غايتهم في البقالات التى تبيع المسكنات وما شاكلها؛ في تعد واضح على ضوابط تداول الدواء وتجاوز البديهية في تخصص البقالة كمستودع لبيع المواد الغذائية فقط، لا أن تتحول إلى أماكن لبيع الدواء وبدون استشارة طبية ولا رقابة.
يشكو المواطن عبدالله الوليد (32 عاما) عدم قدرته على الذهاب للمستشفى لكونه لا يملك ثمن الدواء حسب قوله، فهو يعاني من ألم في الرأس ووجع شديد في المفاصل بصورة مستمرة دفعاه للتوجة إلى البقالة وشراء مسكن لتهدئة الألم، لرخص ثمنه وسهوله الحصول عليه.
يقول الوليد مسترسلا: "في إحدى الليالي بسبب تناولي لمسكن للرأس، تسبب لي المسكن بألم شديد في معدتي وغثيان صاحبني طوال الليل. أسعفني جاري إلى طوارئ مستشفى الكويت في صنعاء وأخبرني الطبيب المناوب أن هذا الألم عائد من تناولي حبة مهدئة قوية لم تقو معدتي على احتمال مفعولها وأصبت بعدها بقرحة في المعدة".
ثريا عبدالإله بدورها أصبحت مدمنة على تناول حبات الفوار (الفالتارين -السولبادين) بصورة شبه يومية.
تقول: "كلما شعرت بالألم في رأسي أو في مفاصلي أو كليتي سارعت لشراء الدواء من البقالة حتى أصبحت مدمنة عليها، فيما لم يكن هذا الأمر متواجدا قبل دخول مليشيات الحوثي صنعاء. ففي ظل انعدام الرقابة أصبح كل شيء متاحا".
مصدر الدواء
صاحب بقالة بشارع خولان في صنعاء مسعود عزام أكد لـ"المنتصف" أنه يبيع الأدوية المهدئة بكل أنواعها والحبوب الفوار الخاصة لآلام المعدة والأمعاء والمسالك البولية والكلى والأسنان. وقال إنه يحصل على الدواء من باعة متجولين يحملون كيسا على ظهورهم يقومون ببيع الأدوية للبقالات وكذلك من موزعي الأدوية الذين يأتون بأنفسهم لبيع الدواء، في ظل انعدام الرقابة، حيث "يسهل علينا الحصول على المسكنات بمختلف أنواعها لإرضاء زبائننا".
وضع كارثي
يتعجب الدكتور عبدالجليل عبده، أخصائي باطنية، عند معرفته أن البقالات تبيع الكثير من أنواع الأدويةبالقول: "هذا وضع كارثي وجريمة لا تحمد عقباها فأنا دائما أعترض على من يقوم ببيع وصرف الأدوية من الصيادلة غير المؤهلين كالعاملين بالخبرة داخل بعض الصيدليات وحاملي شهادة الدبلوم، فكيف سيكون الحال بصاحب بقالة وقد تحول إلى طبيب وصيدلي في آن واحد و يصرف الدواء بدون أدنى خبرة".
عبدالجليل وصف هذه الظاهرة بالمخيفة، فبيع المسكنات كالبروفينيد للأشخاص الذين يعانون من قرحة في المعدة أو في الاثني عشر، وماأكثرهم هذه الأيام، قد يسبب مضاعفات وهذا ما يحصل بالفعل لبعض المرضى بقرحة المعدة الذين يتم إسعافهم إلى قسم الطوارئ أثناء مناوبتي هناك.
وتابع حديثه بالقول: "ليس هذا فحسب، فالمهدئات الفوارة تحتوي على مادة كودايين، وهذه المادة تؤدي إلى إدمان من يداوم على شربها بدون وصفة طبية وأثناء بيعها بعشوائية، كما أنها تضر بالأم الحامل وتؤدي إلى مشاكل في قلب الطفل".
أدوية مسمومة
ويرى الصيدلي عبد الفتاح الصلوي بأن ما يقوم به أصحاب البقالات أمر لا يستهان به قد يؤدي إلى إصابة بعض المرضى بمضاعفات، وهذا غير مقبول على حد وصفه، خاصة وأنها تجاوزت الحدود وأصبحت تبيع المضادات الحيوية والبرستامول (المسكنات) وحبوب المعدة (كالزنتاك واللوماك وفوار المسالك البولية والسلبادين وبعض المراهم الخاصة بالإصابات الرياضية كالأورام وغيرها).
والكارثه بحسب الصلوي أنها تباع بدون وصفة طبية حتى للأطفال. وهنا تكون المخاطرة وخيمة فالأدوية الطبية مهما كانت آمنة، فإن إباحة بيعها في البقالات أمر خطير، والإكثار من تناولها وبطريقة عشوائية يسبب مضاعفات قد تصل إلى الوفاة.
ويضيف قائلا: "الأدوية بحاجة إلى أماكن مكيفة والبقاء تحت درجة حرارة معينة، فالبقالات تفتقد هذا الأمر مما يؤدي إلى تحول الأدوية لمواد سامة".
إجراءات قانونية
مدير قسم الصحة البيئية بصنعاء، في تصريح سابق، أكد أن قسم الصحة البيئية كانت تقوم في السابق قبل 2011 بحملات ضد هذه البقالات، بعد أن قامت وزارة الصحة ورعاية المستهلك بإنزال تعميم لمديريات وأقسام الصحة البيئية لمتابعة الأمر ولكن سرعان ما توقفت الحملات بسبب الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد، حسب قوله.
فيما تعتبر مثل هذه الأعمال الخارجة عن القانون ممنوعة من قبل وزارة الصحة العامة والسكان سابقا، حيث تقوم النيابة بمعاقبة من يقوم ببيع الدواء في البقالات بدفع غرامة مالية تبلغ نصف قيمة المضبوطات من الأدوية داخل البقالة بحسب القانون. فإذا كانت الأدوية التي وجدت في البقالات تبلغ قيمتها عشرين ألف ريال يمني، فإن الغرامة تكون عشرة آلاف ريال يمني وهكذا. هذا الأمر كان في السابق، فهذه القوانين تظل في الوقت الراهن ومع سيطرة مليشيات الحوثي على صنعاء حبرا على ورق.