جذور النهج الانقلابي لـ"الإخوان"

08:47 2018/04/06

كلما طُرِح موضوع «الإخوان المسلمين» والتنظيمات الخارجة من تحت عباءتهم ومن فكرهم، ومدى التزام هذه الحركات بشعارات الديمقراطية والتعددية والإصلاح التي يرفعونها في حواراتهم مع الغرب، أو لكسب أنصار ومتعاطفين في الداخل، تبرز إشكالية التنظيمات العسكرية التي شكلوها في مراحل مختلفة من تاريخهم، ونهجهم في محاولة اختراق مؤسسات الجيش والشرطة، كخيار من خيارات القفز إلى السلطة. فـ«الإخوان» عمدوا منذ وقت مبكِّر في تاريخهم إلى تشكيل خلايا سرية عسكرية، ولم يثبت أنهم تخلوا عن هذا النهج كلياً على الرغم من بعض المراجعات الفكرية والتنظيمية في مراحل معينة، بل إن هناك الكثير من الشواهد والقرائن على أنهم ما زالوا يتبعون ذلك النهج.

ويعود هذا الأمر إلى الواجهة مع الذكرى التسعين لإنشاء جماعة «الإخوان المسلمين» التي صادفت الشهر الماضي، وسط دعوات من هنا وهناك لإجراء مراجعات، خصوصاً بعد انتكاسة تجربتهم في مصر، وإطاحة حكومة محمد مرسي، وتصنيف عدد من الدول للجماعة كتنظيم إرهابي، والتشكيك الواسع في مدى التزامهم بشعارات الديمقراطية. صحيح أن هناك مَن يشير إلى تجربتَي المغرب وتونس بعد «الربيع العربي» على أنهما نموذجان لإمكانية انخراط الحركات الإسلامية في العملية السياسية الديمقراطية، وصولاً إلى تشكيل حكومة عبر صناديق الاقتراع، لكن التجربتين ستبقيان تحت مجهر الاختبار لفترة طويلة قبل إعطاء «صكوك ديمقراطية»، لا سيما أن هناك تجارب أخرى حية وماثلة أمام الأعين، مثل التجربة السودانية التي انقلب فيها الإسلاميون على الديمقراطية في أول سانحة، ولجأوا إلى استخدام خلاياهم في الجيش لاستلاب السلطة عام 1989.

فكرة إنشاء جناح عسكري سرِّيّ لم تكن شيئاً طارئاً أو حديثاً، بل ارتبطت بمؤسس جماعة «الإخوان» ومرشدها الأول حسن البنا، الذي أمر بتشكيل ما سُمِّي بالتنظيم الخاص عام 1940، وكانت الفكرة هي إعداد وتدريب نخبة منتقاة من أعضاء الجماعة للقيام بمهمات خاصة «ضد العدو الخارجي»، وهو تعبير فضفاض فسَّره البعض على أنه يعني أي عدو للتنظيم سواء كان في الداخل أو في الخارج، بينما اعتبره آخرون على أنه إشارة إلى مقاومة الإنجليز وقتها وإخراجهم من مصر. الرواية التي أكدها الكثيرون بمن في ذلك قيادات إخوانية، هي أن البنا اعتمد فكرة اختراق مؤسسة الجيش والشرطة، وعهد بها إلى اثنين من أعوانه، أبرزهما الصاغ محمود لبيب الذي أنشأ التنظيم الخاص الذي أصبح لاحقاً نواة هيأت لتنظيم الضباط الأحرار. ووفقاً للرواية فإنه بعد اغتيال البنا عام 1949، وعندما كان محمود لبيب نفسه على فراش الموت، فإنه أراد أن يُسِرّ لأحد بأسماء الضباط الذين جندهم «الإخوان»، ولم يكن يعرف بها أحد غيره سوى البنا، ولذلك طلب لقاء عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر. لظروف معينة تخلف عبد الرؤوف عن الموعد فذهب عبد الناصر وحده وسمع من لبيب أسماء الضباط في مختلف الوحدات الذين جندهم «الإخوان» في التنظيم الخاص.

 

عبد الناصر، وزميله في مجلس قيادة ثورة يوليو لاحقاً خالد محيي الدين، انضما للتنظيم السري في الجيش عام 1943 وفقاً لشهادة محيي الدين، وقد استفاد الصاغ عبد الناصر من قائمة الضباط التي حصل عليها واستقطب ضباطاً آخرين في تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة 1952. وبسبب تلك المرحلة فقد أثير الكثير حول العلاقة بين عبد الناصر و«الإخوان» التي شهدت جولات من المواجهات أبرزها بعد محاولة اغتياله في حادثة المنشية عام 1954، ثم بعد «مؤامرة 1965»، وما تبعها من اعتقالات ومحاكمات لقيادات «الإخوان»، ثم إعدام سيد قطب.

قضية الخلايا العسكرية لـ«الإخوان» ولجوئهم أيضاً إلى أسلوب الاغتيالات ظلَّت منذ تلك الفترات الأولى محور نقاش واسع ومهم لا يزال مستمراً حتى اليوم حول طبيعة تنظيمهم ونهجهم في التربية شبه العسكرية لكوادرهم بدلاً من ترسيخ فهم وممارسات الشورى الديمقراطية. فعلى الرغم من أن «الإخوان» وعدداً من الجماعات الخارجة من رَحِمهم حاولوا في مراحل مختلفة القول إنهم تخلوا عن نهج الخلايا السرية العسكرية كجزء من فكرهم التنظيمي وعملهم السياسي، فإن هناك أحداثاً كثيرة تشهد بغير ذلك من مؤامرات الانقلابات العسكرية إلى تنفيذ اغتيالات سياسية. فعلى سبيل المثال أثار تصريح المرشد الراحل لـ«الإخوان» محمد مهدي عاكف إبان حرب 2006 في لبنان بأن الجماعة على استعداد لإرسال 10 آلاف مقاتل للمشاركة في الحرب إلى جانب المقاومة، جدلاً واسعاً واعتبر دليلاً على أن الجماعة تواصل تدريب خلاياها العسكرية السرية. كذلك أدت الاستعراضات شبه العسكرية التي قام بها عناصر «الإخوان» خلال أحداث اعتصام رابعة عام 2013، إلى اتهامات أخرى بأنهم مستمرون في نهج الخلايا السرية المدربة عسكرياً.

الأخطر من ذلك أن نهج عسكرة التنظيم يُعتَبَر مسؤولاً عن بروز التنظيمات الجهادية المتطرفة مثل «الجماعة الإسلامية» و«تنظيم الجهاد» في مصر، وعن تغذية أفكار حركات إرهابية مثل «القاعدة» على يد أيمن الظواهري وأسامة بن لادن، مثلما أنه مسؤول عن تحفيز تنظيمات الإسلام السياسي للتفكير في أساليب الانقلاب على الأنظمة السياسية أو الدخول في مواجهات مسلحة... وهذا لب المشكلة.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"