بين رايتي الانفصال والولاية.. كيف تُختطف العدالة وتُغتال الجمهورية؟
لسنواتٍ طويلة، ظلّ اليمنيون أسرى لغةٍ سياسيةٍ مُخدِّرة، تتقن تلميع الشعارات أكثر مما تتقن ملامسة الحقيقة. سمعنا كثيرًا عن “المظلومية”، و“الحقوق التاريخية”، و“الشراكة الوطنية”، حتى تحولت هذه المصطلحات إلى عملةٍ مستهلكة تُصرف في كل سوق، دون أن ينتج عنها وطنٌ آمن أو دولة عادلة.
وفي خضم هذا الضجيج، ضاعت الحقيقة البسيطة، وغُيِّب السؤال الجوهري: إلى أين يقودنا كل هذا الخطاب؟
بعيدًا عن تنظير النخب ومساومات السياسة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا حين نُسقط عنها مساحيق اللغة. فحين نضع الوقائع على طاولة التشريح الوطني، نكتشف أننا لا نواجه قضايا حقوق بقدر ما نواجه مشاريع سلطة، ولا نتعامل مع مظالم بقدر ما نُستدرج إلى معارك هوية ووجود.
في الجنوب، رُفعت راية “القضية الجنوبية العادلة”، غير أن المسار الذي سلكته هذه القضية في السنوات الأخيرة يكشف تحوّلًا خطيرًا: من المطالبة بدولة مواطنة وعدالة انتقالية، إلى الترويج الصريح لمشروع الانفصال.
لم تعد اللغة لغة حقوق داخل وطن واحد، بل لغة حدود وخرائط وذاكرة سياسية منقسمة، وكأن الحل يكمن في العودة إلى ما قبل الدولة، لا في إصلاحها.
أما في الشمال، وتحديدًا من أقصى صعدة، فقد وُلدت “قضية صعدة” تحت عنوان المظلومية، لكن ما إن انقشع الغبار، حتى ظهر المشروع الحقيقي: “الولاية”. تحولت المظلومية إلى سلّمٍ للصعود السياسي، لا لبناء دولة، بل لهدم الجمهورية من أساسها، واستبدالها بفكرة الحكم السلالي واحتكار الحق الإلهي في السلطة.
هنا، لا بد من التوقف بصدق ومسؤولية. نحن لا نقف أمام قضيتين عادلتين تبحثان عن حلول، بل أمام مشروعين متناقضين في الشكل، متشابهين في الجوهر. كلاهما يستخدم خطاب العدالة كأداة، لا كغاية. أحدهما يوظفها لتفكيك الجغرافيا وتمزيق النسيج الوطني، والآخر يستغلها لاحتكار التاريخ والدين والقرار السياسي.
والنتيجة في الحالتين واحدة: إضعاف الدولة، وتدمير فكرة المواطنة المتساوية، ودفع المواطن البسيط إلى زاوية اليأس.
المواطن الذي لا يعنيه شكل الخريطة بقدر ما يعنيه وجود مدرسة لابنه، ومستشفى لوالدته، ودولة تحميه من الفوضى والسلاح.
إن أخطر ما في هذه المشاريع ليس فقط ما تطرحه، بل ما تُسقطه عمدًا من النقاش. فهي لا تتحدث عن الدولة كإطار جامع، ولا عن القانون كمرجعية، ولا عن الجمهورية كعقد اجتماعي. بل تُعيد تعريف “العدالة” وفق مقاسها الخاص، لتصبح العدالة انفصالًا هنا، واصطفاءً إلهيًا هناك.
ولذلك، فإن الإصرار على التعامل مع هذه الإشكاليات بلغة المواءمات والمؤتمرات المفتوحة بلا سقف وطني، لم يعد سوى هروبٍ من الحقيقة. فالأزمة لم تعد أزمة نصوص دستورية، بل أزمة مشروع وطني مهدَّد من أطراف ترى في الدولة عائقًا أمام طموحاتها.
الجمهورية اليمنية اليوم ليست مجرد اسمٍ أو علم، بل هي فكرة تتعرض لحصارٍ مزدوج: حصار التقسيم، وحصار الكهنوت. وبين هذا وذاك، يقف اليمني العادي وحيدًا، بلا سلاح سوى وعيه، وبلا خيار سوى الدفاع عن حقه في دولة واحدة، عادلة، مدنية، لا تُقسَّم باسمه، ولا يُحكم عليه باسم السماء.
لقد آن الأوان لقول الحقيقة كما هي، دون مواربة: العدالة التي تهدم الوطن ليست عدالة، والمظلومية التي تُنتج استبدادًا جديدًا ليست مظلومية. وما لم ننتصر لفكرة الجمهورية الجامعة، فسنظل ندور في الدائرة ذاتها، نغيّر الشعارات، بينما يظل الجرح مفتوحًا، والوطن ينزف.