حسن الخلق ثمرة التدين الصحيح

منذ أسبوعين
مشاركة الخبر:

من المسلم به أن حسن الخلق هو المقياس الحقيقي لرقي وحضارية الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، وقيمة الإنسان تتوقف على مقدار الأخلاق التي يتمتع بها. فالإنسان بدون الأخلاق والقيم الفاضلة يشبه كائنًا متوحشًا، والحياة الإنسانية بدون أخلاق وقيم إيجابية تصبح غابة موحشة، حيث البقاء للأقوى، فيقتل القوي الضعيف وينتهك حقوقه وحرياته.

لهذا أولى المنهج الإسلامي الأخلاق اهتمامًا بالغًا وعناية خاصة، وجعلها ثمرة لكثير من العبادات، وأمارة من أمارات الإيمان بالله تعالى، وجعل جزاؤها عظيمًا في الدنيا والآخرة. في هذا السياق يقول الشيخ محمد الغزالي:
"حسن الخلق فضيلة إنسانية حض عليها الدين، وجعلها ثمرة لكثير من العبادات التي أمر بها، واعتبرها أمارة الكمال البشري في أرقى مراتبه، حتى لم يوصف النبي عليه الصلاة والسلام إلا بها، قال تعالى: ((وإنك لعلى خلقٍ عظيم))، في معرض مدحه وبيان فضله. والمجتمع الذي يتوفر فيه حسن الخلق في معاملاته هو هدف الرسالات العظيمة من دينية ودنيوية."

لذلك جاءت التشريعات الإسلامية لتجعل التحلي بالقيم والمبادئ الإيجابية والأخلاق الفاضلة واجبًا دينيًا، قال تعالى:((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))
((ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن))
وفي هذا الصدد يقول الدكتور منير حميد البياتي:
"عرف النبي عليه الصلاة والسلام الدين بأنه حسن الخلق، وأيضًا عرف البر بأنه حسن الخلق، وفي هذا بيان لعظيم منزلة حسن الخلق... وأنه ركن الدين العظيم الذي لا قيام للدين بدونه."

كما يشير الدكتور محمد ربيع محمد جوهري إلى أن:
"الإسلام ربط بين جانب العقيدة والأخلاق التي ارتضاها لأتباعه ربطًا وثيقًا، فإن مقتضى الإيمان بالله تعالى أن يكون المؤمن ذا خلق محمود، وأن الأخلاق السيئة دليل على ضعف الإيمان، ويمكننا معرفة مدى إيمان الشخص من مقدار أخلاقه."

ويضيف الكتاب:
"هدف العبادات التي شرعها الله تعالى، من صلاة وزكاة وصوم وحج، هو السمو الخلقي بالإنسانية. وإذا لم تقترن العبادات بالأخلاق الحميدة والسجايا الفاضلة، تصبح بلا جدوى."
عن النبي عليه الصلاة والسلام: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار" (رواه مسلم).
كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
"سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (البخاري).

بهذا يتضح ارتباط أخلاق الإنسان بعقيدته وعباداته، قال تعالى:((يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون))
ويقول الدكتور محمد يونس هاشم:"حسن الخلق هو الفارق بين التدين الحقيقي والزائف. فإذا رأيت رجلاً كثير الصلاة وكثير الكلام في الدين ومع ذلك سيء الخلق مع أهله وجيرانه، فأعلم أن تدينه زائف، وهو مردود عليه. التدين الصحيح هو حسن الخلق، وليس لحى طويلة أو جلابيب بيضاء."

كل ذلك يؤكد العلاقة الوثيقة والقوية بين العقيدة الإسلامية الصحيحة وحسن الخلق، وأن الأخلاق الفاضلة هي ثمرة طبيعية للعقيدة. وإذا لم تُتوج العقيدة بأخلاق فاضلة، أو لم تقترن العبادات بالأخلاق الحميدة، فإنها تصبح مجرد عادات وليست عبادات.


مقتطفات من كتابي: معالم المشروع الحضاري في الفكر الإسلامي.