إنقاذ اليمن من التمزق لا يكون بمواقف رمادية
لم تكن القوميات يومًا جزءًا من البنية التاريخية أو الاجتماعية لليمن، بل كان اليمن – عبر قرونه الطويلة – كيانًا واحدًا، متنوعًا في لهجاته وعاداته، لكنه متماسك في هويته الوطنية الجامعة. غير أن ما نشهده اليوم من تفريخ عبثي لما يُسمّى «قوميات المحافظات» ليس إلا نتاجًا مباشرًا لمشاريع استخبارية دولية، صنعت قضايا من العدم، ثم سوّقتها تحت عناوين براقة، ظاهرها الحقوق وباطنها التمزيق.
المثير للسخرية والألم معًا أن تدخل إلى منصة «إكس» فتجد أكثر من تسع «قوميات» في كل محافظة، كلٌّ منها تدّعي تمثيل الأرض والإنسان، وكأن هذه المحافظات جزرٌ معزولة أو أجسادٌ غريبة تسعى للانسلاخ عن الجسد اليمني الواحد. قومية هنا، وهوية هناك، ومجلس وتمثيل ومظلومية… بينما الحقيقة أن اليمن يُمزَّق قطعةً قطعة تحت سمع وبصر الجميع.
ما يحدث ليس تعبيرًا طبيعيًا عن تطلعات الناس، بل مشاريع سياسية مُصنَّعة، جرى ضخها وتمويلها وتوجيهها بعناية لتخدم أجندات أعداء اليمن. وهي في جوهرها لا تختلف عن المشروع الطائفي السلالي الحوثي، الذي قام على أساس تفكيك الهوية الوطنية واستبدالها بهوية مذهبية عنصرية دخيلة.
هذه المشاريع – على اختلاف شعاراتها – تلتقي في هدف واحد: تدمير اليمن، وإضعاف دولته، وتحويله إلى ساحة صراعات وهويات متناحرة يسهل التحكم بها واستنزافها. فحين يفقد اليمنيون إحساسهم بالانتماء الوطني الجامع، يصبحون أدوات في أيدي الخارج، ويغدو الوطن مجرد صفقة أو غنيمة.
الأخطر من كل ذلك أن الشرعية اليمنية – التي يُفترض بها أن تكون الحاضن للمشروع الوطني – فشلت حتى اليوم في تقديم رؤية وطنية جامعة، أو مشروع واضح المعالم، ينهي طموحات «أصحاب الإيجار السياسي»، أولئك الذين يبدّلون مواقفهم ويتلوّنون كالحرباء بتلوّن الحالة السياسية، ويبيعون الوطن تحت مسميات النضال والتمثيل والمظلومية.
غياب المشروع الوطني لدى الشرعية فتح الباب واسعًا أمام هذه الكيانات الهشة لتملأ الفراغ، وتقدّم نفسها بديلًا عن الدولة، بينما هي في الحقيقة معاول هدم لا أدوات بناء. فلا يمكن مواجهة المشاريع التفكيكية بخطاب مرتبك، ولا يمكن إنقاذ اليمن بمواقف رمادية أو حسابات ضيقة.
إنقاذ اليمن يبدأ أولًا بإعادة الاعتبار للهوية اليمنية الواحدة، وفضح كل المشاريع المناطقية والطائفية والسلالية بوصفها أدوات خارجية مهما تلونت شعاراتها. ويبدأ ثانيًا بوجود مشروع وطني صادق، يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته، ويقطع الطريق أمام كل من يتاجر بالدم والجغرافيا.
اليمن ليس مجموعة قوميات متناحرة، ولا محافظات تبحث عن انفصالها عن ذاتها، بل وطن واحد يُستهدف لأنه واحد. ومن لا يدرك هذه الحقيقة اليوم، سيفيق غدًا ليجد أن ما تبقى له ليس قومية ولا محافظة… بل أطلال وطن.