اليمن بين وهم الخلافات وخطر المصير: حين يصبح التشتت شريكاً في الكارثة

منذ شهرين
مشاركة الخبر:

في المنعطفات المصيرية من تاريخ الشعوب، لا يُقاس الخطر فقط بحجم التهديد الخارجي أو الداخلي، بل بقدرة المجتمع السياسي على إدراكه والتعامل معه بوصفه أولوية قصوى. وغالباً ما تكون الهزائم الكبرى نتاج سوء تقدير، أو استغراق في صراعات جانبية تُضعف الجبهة الداخلية وتمنح الخطر الحقيقي فرصة التمدد بهدوء. هذا الدرس، الذي كررته تجارب الأمم، يفرض نفسه اليوم بقوة على المشهد اليمني.

اليمن يعيش حالة سياسية واجتماعية مرتبكة، تتزاحم فيها الأصوات، وتتقاطع فيها الحسابات، فيما يغيب السؤال الأهم: ما الذي يهدد وجود الدولة نفسها؟ فوسط الجدل المحتدم، والمواجهات الإعلامية، والتنازع على النفوذ والشرعية، يواصل الحوثي ترسيخ مشروعه بهدوء، مستفيداً من حالة الانقسام، ومن عجز خصومه عن الاتفاق على بوصلة وطنية واحدة.

لم يعد الحوثي مجرد جماعة مسلحة خرجت على السلطة، ولا ظاهرة طارئة يمكن احتواؤها بتسويات مؤقتة أو تفاهمات هشة. ما نشهده اليوم هو مشروع متكامل يعمل على تفكيك فكرة الدولة من جذورها، واستبدالها بمنطق القوة، وإعادة تشكيل المجتمع على أساس الولاء والإخضاع. إنه مشروع لا يؤمن بالشراكة، ولا يعترف بالتعدد، ولا يرى في اليمن وطناً جامعاً، بل مساحة مفتوحة للسيطرة والهيمنة.

الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في سلاح الحوثي أو امتداده العسكري، بل في تحوله إلى واقع مفروض، يتطبع مع الزمن، ويصبح جزءاً من المشهد الاعتيادي. فحين يطول أمد الخطر دون مواجهة جادة، يبدأ الناس في التعايش معه، وتبدأ القوى السياسية في التكيف، ثم يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والكارثة إلى أمر واقع.

المفارقة المؤلمة أن هذا الخطر الوجودي، الذي كان من المفترض أن يوحد الصفوف ويعيد ترتيب الأولويات، أصبح عاملاً إضافياً لتكريس الانقسام. فبدلاً من بناء جبهة وطنية عريضة، انزلقت القوى المختلفة إلى معارك جانبية، بعضها بدافع الثأر السياسي، وبعضها نتيجة حسابات قصيرة المدى، وكأن اليمن يمتلك ترف الوقت، أو كأن الدولة يمكن تفكيكها ثم إعادة تركيبها لاحقاً بسهولة.

في ظل غياب الدولة، لا تبقى السياسة كما هي، ولا تظل الأحزاب محمية بأسمائها أو تاريخها، ولا تنجو المناطق بانتماءاتها، ولا تحتمي القبائل بثقلها الاجتماعي. عندما تنهار فكرة الدولة، يصبح الجميع عرضة للفوضى، ويذوب الجميع في معادلة القوة العارية. وهذا ما فشل كثيرون في إدراكه: أن المليشيا لا تصنع حلفاء دائمين، بل تستخدم الجميع مؤقتاً ثم تستغني عنهم.

اليمن اليوم لا يعاني من نقص في الخطابات أو البيانات أو الاتهامات المتبادلة، بل من عجز في الرؤية الجامعة. الحاجة الملحة ليست إلى مزيد من الشعارات، بل إلى موقف أخلاقي وسياسي شجاع يعترف بأن الخلافات بين القوى الوطنية – مهما كانت عميقة – تظل أقل خطراً من استمرار مشروع يقوض الدولة ويصادر المستقبل. فالدولة ليست امتيازاً حزبياً، ولا غنيمة سياسية، بل الإطار الوحيد الذي يمكن أن يحمي الجميع دون استثناء.

الرهان الحقيقي في هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون على انتصار فصيل على آخر، أو على تحسين شروط التفاوض، أو على تسجيل نقاط سياسية عابرة. الرهان الحقيقي هو على إنقاذ فكرة الدولة ذاتها، وعلى إعادة الاعتبار للعقل الوطني الذي يضع بقاء اليمن فوق كل اعتبار. فحين تنتصر الدولة، تتسع للجميع، وحين تُهزم، لا ينجو أحد من آثار الهزيمة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن منطق التأجيل، والرهان على الوقت، والتعويل على إنهاك الخصم وحده، كلها رهانات خاسرة. الزمن لا يعمل لصالح الدول المنهكة، بل ضدها. وكل يوم يمر دون معالجة جذرية، يراكم الخسائر، ويعمق التشوهات، ويجعل كلفة الاستعادة أعلى وأكثر إيلاماً.

التاريخ قاسٍ في أحكامه، ولا يمنح الأعذار لمن رأوا الخطر واضحاً ثم اختاروا تجاهله أو التقليل من شأنه. واليمن اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون هذه المرحلة لحظة استعادة للوعي الوطني، وإعادة بناء الأولويات على أساس إنقاذ الدولة، أو أن تتحول إلى بداية لعقود طويلة من الندم، حيث يدرك الجميع، بعد فوات الأوان، أن الوطن كان أكبر من كل خلافاتهم، وأن ضياعه لم يكن قدراً، بل نتيجة خيارات خاطئة.