تفجير مسجد دار الرئاسة.. جريمة إرهابية لا تسقط بالتقادم
التمهيد:
في واحدة من أكثر الجرائم الإرهابية بشاعة في التاريخ السياسي اليمني المعاصر، هزّ انفجار مروّع مسجد دار الرئاسة بصنعاء يوم الجمعة 3 يونيو 2011، الموافق لأول جمعة من شهر رجب الحرام 1432هـ، مستهدفاً رئيس الجمهورية آنذاك علي عبدالله صالح، وقيادات الدولة أثناء أدائهم لصلاة الجمعة. هذه الجريمة التي تخطّت كل الحرمات الدينية والوطنية والإنسانية، لا تزال شاهدة على مشروع انقلابي دموي، حاول تقويض الدولة ومؤسساتها الشرعية.
جريمة متكاملة الأركان.. وأدلة لا تُمحى
لم تكن العملية الإرهابية تفجيراً عابراً، بل جريمة مكتملة الأركان نُفذت مع سبق الإصرار والترصد، وشارك في التحقيق فيها خبراء أمنيون وشركات دولية. وقد أدانت الأمم المتحدة عبر قرار مجلس الأمن رقم 2014 لسنة 2011 هذه الجريمة، مصنفة إياها ضمن الهجمات الإرهابية، وهو ما يمنحها صفة الجريمة الدولية التي لا تسقط بالتقادم.
أسفرت التحقيقات الجنائية عن اعترافات تفصيلية من المنفذين، وكشفت عن الأطراف العسكرية والقبلية والسياسية التي وقفت وراء التخطيط والتمويل، بل وأظهرت تورط مؤسسات وشركات مثل "سبأ فون" وجامعة العلوم والتكنولوجيا، التي وفرت التسهيلات اللوجستية للعملية، وفق ما ورد في الوثائق القضائية والتحقيقات العدلية.
انتهاك الحرمات.. واستهداف الدولة
إن استهداف رئيس الجمهورية المنتخب وقيادات الدولة المدنية والعسكرية، داخل بيت من بيوت الله، وأثناء أداء فريضة الجمعة، ليس فقط جريمة سياسية، بل عمل إرهابي يُجسد الانقلاب على الدستور والديمقراطية، ومحاولة لإحداث فراغ دستوري شامل.
أدى التفجير إلى إصابة الرئيس بجروح خطيرة كادت تودي بحياته، واستشهاد رئيس مجلس الشورى، ووكيل وزارة الأوقاف، إلى جانب عدد من الضباط والجنود، وجرح العديد من القيادات، بينهم رئيس مجلس النواب، ورئيس الوزراء، وعدد من الوزراء والقادة العسكريين والمحافظين.
تواطؤ وتراخٍ في ملاحقة الجناة
رغم وضوح الأدلة واعترافات الجناة، تواطأت السلطة الانتقالية التي هيمن عليها "الإخوان" و"الحوثيون" في تعطيل مسار العدالة، بل وتورطت في تهريب المتهمين من السجون، بل وتبادلوا صفقات الإفراج عن المتهمين مقابل أسرى حوثيين، ضاربين بالقانون عرض الحائط، وهو ما يفتح الباب أمام المحاكم الدولية والهيئات الحقوقية لمتابعة الملف قضائياً.
وقد حمّل المؤتمر الشعبي العام وأهالي الضحايا الحكومة الانتقالية المسؤولية الكاملة في التستر على الجناة، مطالبين بإنشاء محكمة خاصة للبت في هذه القضية، وملاحقة المخططين والمنفذين والممولين، وعدم إفلات أي منهم من العقاب.
رسالة الشعب والشرعية.. لا عودة للوراء
رغم بشاعة الجريمة، أظهرت القيادة السياسية في حينه، وعلى رأسها الرئيس الجريح علي عبدالله صالح، حكمة عالية حين امتنعت عن الانزلاق إلى حرب أهلية، وراهن المؤتمر الشعبي العام على مسار العدالة لا الانتقام. كما أظهرت الجريمة تماسك الشعب حول قيادته ورفضه للمشاريع الانقلابية الدموية، وفضحت الطموحات السلطوية التي تغلفت برداء الدين والثورة الزائفة.
ختاماً: العدالة آتية
ما يزال أهالي الشهداء والمصابين يعانون من تمييع ملف القضية وغياب العدالة، لكنهم ماضون في المطالبة بمحاكمة مرتكبي الجريمة، محلياً أو دولياً، لأن الجريمة لا تسقط بالتقادم. فالمتورطون معروفون، والمؤسسات التي استخدمت كغطاء للإرهاب موثقة، ومصيرهم في النهاية سيكون حتماً أمام قوس العدالة، مهما طال الزمن.
"مسجد دار الرئاسة ليس فقط شاهداً على جريمة، بل علامة فارقة في تاريخ اليمن السياسي، فضحت مشروع العنف وأثبتت أن إرادة الشعب لا تُقهر."