تعز .. يا وجع المدائن
تعز.. جف مداد الحبر ولم يجف فيها الاهمال والعبث .. جدُبت الكلمات ولم تجدب فيها منابع الفساد والفيد..تعبت الحروف ولم تتعب عصابات النهب والبطش والفهلوة.. أُنهكت أسنة الأقلام ولم تُنهك فيها الفوضى والبلطجة والانفلات..
ساد الصمت في قلوب المتعبين فيها ولم يصمت ضجيج الفاقة والفقر والمرض وتهالك الامنيات.
هكذا ما زلنا في تعز نرتجي مدينة ما زال يسكن في الروح جمالها بينما الواقع ممزق، مشتت، بؤس ومآس وشتات.
لستُ بغرض رص الحروف إنما الألم أكبر من الأبجديات المتناثرة هنا وهناك، والتصريحات والفرقعات الإعلامية، والاجتماعات والحراسة وندوات مسؤولي المكبرات الصوتية والمشاريع الصورية. كلها في النهاية مجرد فقاعات صابونية تتلاشى في هواء مدينة صارت أدخنة النرجسية والاطماع فيها تخنق أكبادنا قبل أنفاسنا ونحن نبحث في أروقتها عن موطن نبض نستقر فيه.. نبحث عمن يلملم بؤس هذه المدينة المنهكة، يحمي مظلوميها، يرفع الظلم عنها، يأوي جوعاها الذين أحرقتهم شمس القهر والجوع قبل شمس السماء، وهم في شوارعها يبحثون عن لقمة عيش كريمة وما من مغيث..
ما زلنا نبحث عمن ينير منازلها حتى ولو بفتيل ضوء باهت، يرويها بشربة ماء في كل مواسم الجفاف، يحميها من التسول، من الموت على أروقة المستشفيات.
محافظ، سلطة محلية، وكلاء بالدرزن، ضباط، حاشيات، و مدراء عموم و نواب ، بالمئات بل بالآلاف، جميعهم من تعز، وهنا تكمن الكارثة العظمى والمأساة المزلزلة، جميعهم من ابناء تعز لكنهم عصاة لأمهم تعز. لم يقدموا لها غير العجز والألم واللامبالاة لكل أنينها والجراح. لم يقدموا سوى اللصوصية والنهب والجبايات وإيرادات تذهب لجيوب فاسديها والمفسدين فيها.
أوجاعك يا تعز ستظل نقش على جرح مفتوح سيظل ينزف حتى يكون فيك قادة ورجال دولة حقيقيون يتحلون بالروح الوطنية الصادقة، وليسوا مجرد شلل وجماعات وعصابات للدفع المسبق ينهبون كل ما تقع عليه بنادقهم، يلهثون وراء بيوت الناس وأراضيهم وقوتهم يحتلونها بقوة السلاح لصالح كبارها الذين اصبحوا صغارًا وصغارًا جدًا في عيون التعزيين الكادحين البؤساء، في غياب القضاء والأمن والروح الوطنية.
يبدو أن لعنة انك مدينة حالمة ستظل تلاحقك وتظلين غارقة في الحلم الذي لا ولن يجيء.